سميح عاطف الزين

286

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

لحمل هذه العقيدة وإيصالها للناس ، كي يؤمنوا بها ، ويعملوا بتعاليمها إذا أرادوا إصلاح دنياهم ، والفوز في آخرتهم . . فكان على هذا الرسول الذي اختاره ربّه تعالى لأجل مهمة وأعظمها ، أن يعدّ لها الدعاة الصالحين ، وأن يهيء لهم الظروف والأسباب التي تساعدهم في المسيرة الشاقة لإحداث التغيير العقائدي والاجتماعي في حياة الناس . كما كان عليه أن يبدأ في محيطه ، وفي نفس البيئة التي نزل فيها الوحي . . فما هي الأفكار والأوضاع التي كانت سائدة في المجتمع المكي يومئذ ، ومدى تعارضها أو توافقها مع الإسلام ، ليكون له قبول أو رفض من أبناء ذلك المجتمع ، والذي سوف ينعكس حكما على قبائل العرب وأفرادها لما كان لمكة من ميزات في الجزيرة العربية ؟ لقد تميّزت مكة في منتصف القرن الخامس الميلادي بانتقالها من طور البداوة إلى طور الحضر ، ولكنه حضر بدائي لم يتخذ شكل المدنية الكاملة في العمارة والتنظيم المدني ، ووسائل العيش والتقدم . وكانت تخضع لنظام في الحكم يقوم على اتفاق طوعي ، وتفاهم جماعي ، وتوزيع للمهام والمسؤوليات والمناصب تبعا لما أسّس قصيّ بن كلاب الجد الرابع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وموقع مكة من الناحية الجغرافية بين جبلين : جبل أبي قبيس المشرف على الصفا ، وجبل الأحمر الذي كان يسمى في الجاهلية بالأعرف ، ويشرف بوجهه على قعيقعات ، فعاش أهلها بين هذين الجبلين ردحا من الزمن . إلّا أن وجود البيت الحرام وما له من مكانة وشرف وأمن في النفوس ، جعل كثيرا من قبائل العرب تنتقل إلى جواره ، فراح النطاق الجغرافي لمكة يمتد ويتوسع ، والعمران ينمو